هجرة الشباب نحو سبتة المحتلة عبر البحر: ظاهرة مقلقة تعيد طرح أسئلة التنمية والتشغيل على الواجهة
شهدت السواحل المجاورة لمدينة سبتة المحتلة في الآونة الأخيرة موجات متكررة لعمليات هجرة سرية جماعية وفردية، قام بها عدد من الشباب والمحسوبين على فئات عمرية صغرى، تمكنوا عبر سباحة حرة أو باستخدام وسائل تقليدية من عبور الحدود البحريّة نحو الثغر السليب. وقد أثارت هذه الأحداث التي تناقلتها مختلف المنابر الإعلامية نقاشاً واسعاً على مستويات عدة، لما تحمله الظاهرة من رسائل دلالية عميقة تستوجب الوقوف عندها بمسؤولية وجدية تامة، في ظل تزايد لافت لهذه المحاولات التي باتت تعيد طرح أسئلة التنمية والتشغيل بحدة على الواجهة.
وتأتي هذه التحركات المتجددة في سياق مرتبطة بخلفيات اجتماعية واقتصادية معقدة، حيث ترخي ظروف الهشاشة بظلالها على قطاعات واسعة من الشباب، وخاصة في مناطق الشمال. ورغم الجهود الحثيثة والمشاريع التنموية الكبرى التي أُعطيت انطلاقتها في المنطقة خلال السنوات الأخيرة، إلا أن شعور البعض، ولا سيما اليافعين منهم، بضعف آفاق الشغل المباشر يغذي لديهم رغبة جامحة في الهروب نحو المجهول بحثاً عن واقع أفضل، متجاوزين في ذلك المخاطر الجسيمة التي تحف بالسباحة في مياه باردة ومعابر محفوفة بالموت.
ومن الناحية الأمنية، تسلط هذه الأحداث الضوء على اليقظة المستمرة للأجهزة المختصة التي تبذل جهوداً مضنية لحماية الحدود ومحاربة شبكات التهريب والاتجار بالبشر، في إطار مقاربة متوازنة تحرص على حفظ الأمن العام وحماية الأرواح البشرية. غير أن لجوء بعض المهاجرين إلى أساليب مباغتة، كاستغلال التقلبات المناخية وحالة الضباب أو الضغط البشري المفاجئ على الشريط الحدودي، يعكس مدى سيطرة اليأس كيأس خيار أخير، وهو ما يحول الظاهرة من مجرد خرق أمني عابر إلى مأساة إنسانية حقيقية تتطلب استجابة تتجاوز الأطر التقليدية.
وأمام هذا الوضع، يبرز تساؤل جوري حول البدائل المتاحة للتصدي للظاهرة، إذ يفرض تكرار هذه المشاهد على مختلف الفاعلين المؤسساتيين والمجتمعيين صياغة إجابات واقعية وعميقة. ويتم ذلك عبر تسريع وتيرة التنمية المحلية وتوجيه الاستثمارات نحو القطاعات المنتجة التي تستوعب اليد العاملة الشابة، إلى جانب إصلاح منظومة التكوين وربط مساراته بحاجيات سوق العمل الفعلية لتقليص نسب البطالة، فضلاً عن إطلاق برامج تحسيسية تستهدف الفئات الصغرى لتنويرهم بمخاطر الهجرة غير النظامية والعواقب القانونية والنفسية المترتبة عنها.
ختاماً، إن ظاهرة تدفق الشباب نحو سبتة المحتلة ليست مجرد أرقام تُسجل في تقارير الهجرة، بل هي ناقوس خطر حقيقي يترجم نبض الشارع وهموم الجيل الصاعد، مما يجعل الاستثمار الحقيقي في العنصر البشري وتحقيق العدالة المجالية السبيل الأوحد لتحصين طاقات الوطن وجعلها ركيزة أساسية للبناء والنماء، عوض المجازفة بها في أمواج اليأس.
بقلم :سعيد بن زينة