الجالية المغربية بفرنسا.. حنان الآباء يصنع هوية لا يمحوها البُعد
بقلب باريس وضواحي ليون ومرسيليا، تستيقظ كل صباح عائلات مغربية على صوت الأذان من الهاتف، وعلى رائحة الخبز البلدي، وعلى كلمة “صباح الخير” بالدارجة. رغم أن أقدامهم في أرض فرنسا، إلا أن قلوبهم وتربيتهم ما زالت متجذرة في تراب المغرب.الغربة لم تكن يوماً مبرراً للتفريط. بالعكس، جعلت الآباء والأمهات أكثر تشبثاً بدورهم. الأم هنا ليست فقط من توقظ أبناءها للمدرسة، هي التي تجلس معهم في المساء لتراجع معهم دروس القرآن، وتحكي لهم عن عاشوراء وعن صلة الرحم. والأب ليس فقط من يعمل لساعات طويلة لتوفير العيش الكريم، هو الذي يصر على أن يرد الابن السلام، وأن يحترم الكبير، وأن يقول “العفو” و “سمح لي” قبل أي شيء آخر.الحنان في بيوت الجالية المغربية بفرنسا حاضر في أدق التفاصيل. حضن عند العودة من المدرسة، ونصيحة هادئة عند الخطأ، ودعاء في ظهر الغيب. هذا الحنان هو السلاح الذي يواجه به الآباء كل ما قد يشتت الأبناء في مجتمع مختلف. لأنهم يعرفون أن الطفل إذا شبع حباً في بيته، لن يبحث عنه في مكان آخر، وإذا تعلم الحلال والحرام على يد أمه، سيكون عنده ميزان يفرق به.ورغم البُعد عن الوطن، حرصت الأسر المغربية على أن يكون البيت امتداداً للمغرب. اللغة الدارجة هي اللغة الأولى في البيت، والأكل المغربي حاضر على المائدة كل جمعة، وصلاة الجمعة لا تُناقش، وشهر رمضان مناسبة يلتف فيها الجيران المغاربة حول مائدة واحدة كأنهم في الحي. كثير من الأبناء ازدادوا وترعرعوا في فرنسا، ويحملون الجنسية الفرنسية، لكنهم يعرفون نشيد “منبت الأحرار”، ويعرفون معنى “الوالدين خط أحمر”.التحديات كثيرة بطبيعة الحال. المدرسة، الشارع، الإعلام، كلها عوامل قد تبعد. لكن إصرار الأمهات على تربية طيبة، وإصرار الآباء على غرس القيم الدينية والأخلاقية، صنع فرقاً. فترى اليوم شباباً من الجيل الثاني والثالث متفوقين في دراستهم وعملهم، ومحافظين في نفس الوقت على صلاتهم وعلى احترامهم لأهلهم.قصة الجالية المغربية في فرنسا اليوم هي قصة صبر وحب. هي أن تبني وطناً داخل الوطن. أن تربي أبناء يحملون اسمين: اسم في الأوراق الرسمية، واسم في القلب هو “مغربي”. فالمسافة لم تستطع أن تبرد العاطفة، ولا أن تمحي المبدأ. لأن التربية الحسنة التي يزرعها الآباء والأمهات المغاربة في أبنائهم أقوى من أي بُعد، وأبقى من أي ظرف.
تحرير :سعيد بن زينة
تصوير :عبد الحق الطاوس