ثقافة وفنون

معهد الموسيقى بالدار البيضاء: معلمة تاريخية عتيقة ومنارة للفنون والثقافة ومشتل لصناع المجد الفني

عبق التاريخ الفني ورمزيّة المكان في قلب العاصمة الاقتصادية

  • التحرير: سعيد بن زينة

  • التصوير: عبد الحق الطاوس

عبق التاريخ الفني ورمزيّة المكان في قلب العاصمة الاقتصادية

يُعد المعهد الموسيقي لمدينة الدار البيضاء، المتواجد بشارع باريس العريق، معلمة فنية وثقافية بارزة تضاهي في قيمتها المعمارية والتاريخية أعرق المتاحف. فعلى الرغم من طابعه الذي يمتزج فيه عبق الذاكرة بجمالية الآلات الموسيقية المعروضة، فإنه يشكل صرحاً أكاديمياً وتربوياً حياً لا يهدأ. لقد شكل هذا المعهد، على امتداد عقود طويلة من الزمن، قبلة مفضلة للبيضاويين ولعشاق الفن بمختلف أعمارهم وأجناسهم، ممن تقاطروا عليه بحثاً عن صقل مواهبهم وتنمية قدراتهم الإبداعية،حثى أصبح مشتلاً خصباً للمواهب كما أصبح رمز للمشهد الثقافي المحلي والوطني والدولي بأجود الطاقات.

منارة تخرجت منها أسماء وازنة في سماء الفن المغربي

لم يكن المعهد الموسيقي بشارع باريس مجرد فضاء عادي لتلقي الدروس النظرية والتطبيقية، بل كان وما يزال محطة أساسية ومعبراً رئيسياً لتخرج أجيال من الموسيقيين الكبار، والرواد الذين بصموا تاريخ الفن المغربي بحروف من ذهب، إلى جانب استحضار أسماء خالدة في الذاكرة الفنية المغربية والعصامية كالراحل بوشعيب البيضاوي وغيره ممن أسسوا لأصالة الطرب و الأغنيةالمغربية الخالدة و الرائدة التي تركت بصمتها الواضحة على الثقافة المغربية و الطرب الأصيل.

وقد دأب هذا الصرح العريق على رفد الساحة الفنية والوطنية بأسماء وازنة من الفنانين، الموسيقيين، والعازفين البارزين، فضلاً عن الأطر والكفاءات الفنية التي انتقلت لتأطير معاهد أخرى في مختلف مدن وقرى المملكة كإمتداد  لجسور التواصل الفني  المستمر بين أصالة الماضي العريق وإشراقة الحاضر الواعد.

صرخة إنذار لحماية الذاكرة..كي لا نسقط  في المصيرالذي ال اليه  “المسرح البلدي”و  الذي لا يُعوض!

وفي خضم هذه الحيوية الثقافية، يبقى الهاجس الأساسي لكل الغيورين على مدينة الدار البيضاء هو حماية هذه المعالم التاريخية وصيانتها من كل أشكال الإهمال أو التخريب. إن الذاكرة البيضاويّة لا تزال تحتفظ بحسرة كبرى على خطيئة هدم معالم بارزة، على رأسها المسرح البلدي التاريخي الذي دُشن سنة 1920 كتحفة معمارية راقية استقطبت أساطير الفن العالمي والعربي كأم كلثوم، فاطمة رشدي، ويوسف وهبي، وجاك بريل، إضافة إلى رواد المسرح والفن المغربي كطيب الصديقي، ثريا جبران، ومجموعات ناس الغيوان وجيل جلالة. لقد شكل هدمه في حقبة الثمانينات وما قبلها قراراً قاسياً أفرز فراغاً بنيوياً وثقافياً  وهدم فضاءات لعبت أدواراً طلائعية في التوعية والتربية السياسية والفنية، لتظل المدينة منذ ذلك الحين تعاني من خصاص كبير على مستوى البنيات الكبرى وتتحسر على أزمة تردي الذوق العام.

من هنا، تبرز الدعوة الملحة والصرخة الصادقة للجهات المسؤولة والوصية على قطاع الثقافة والتراث بضرورة الحفاظ على معهد الموسيقى بشارع باريس وسائر المعالم الفنية العتيقة و إعطاءها العناية الفائقة، وحمايتها من نفس المآل التخريبي أو الهدم الذي آل اليه” المسرح البلدي” ، لتبقى شاهدة على الهوية الفنية والجمالية لمدينة الدار البيضاء، ورصيداً للأجيال القادمة.

إستمرارية الجيل الجديد ورسالة الفن السامية

وفي هذا السياق ،نتمنى أن يواصل المعهد أداء رسالته التكوينية بنجاح ، مستحضراً الأدوار الكبرى التي تلعبها المؤسسات الفنية في تحصين الناشئة والشباب. وهذا الإقبال الواسع للطلبة والتلاميذ على مختلف أقسامه وتخصصاته  كي يحضى بحجم الثقة التي يحظى بها هذا الصرح التاريخي ، حيث أنه كانت تنظم المؤسسة دورياً حفلات كبرى لتسليم الشواهد والجوائز لكوكبة جديدة من الخريجين، متوجة بذلك سنوات من التحصيل الرصين في مجالات الموسيقى الكلاسيكية، الغناء العربي والمغربي، والفنون الكوريغرافية.

كما كان  يحرص القائمون على الإدارة والتأطير، تحت إشراف وتنسيق مع الفاعلين في قطاع الشأن المحلي والثقافي، على الانفتاح المستمر على المحيط السوسيومهني عبر تنظيم لقاءات فنية، عروض سينمائية، ومحاضرات أكاديمية تروم تشجيع الطلبة على الخلق والإبداع، وإيماناً مطلقاً بالرسالة السامية للفن في الارتقاء بالمجتمعات. ويبقى معهد الموسيقى بالدار البيضاء الذاكرة الحية النابضة بالحب والجمال، وشاهداً حياً على أن العاصمة الاقتصادية لم تكن قط قطباً اقتصادياً فحسب، بل كانت وما زالت عاصمة للفن والابداع والموسيقى بامتياز.

  • التحرير: سعيد بن زينة

  • التصوير: عبد الحق الطاوس

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button
error: لا يمكن لك النسخ