أخبار وطنية

المغرب 2026: بين تسوية جماعية في إسبانيا وموجة عبور تاريخية نحو سبتة

 

في صيف 2026 يجد ملف الهجرة المغربية نفسه أمام صورتين متباينتين تماماً. الصورة الأولى تفتح باباً قانونياً غير مسبوق في إسبانيا، حيث تتواصل عملية التسوية الجماعية لأوضاع المهاجرين تنفيذا للمرسوم الملكي الذي صادق عليه المجلس الوزاري الإسباني منذ فبراير الماضي. ومع اقتراب نهاية الأجل المحدد في الثلاثين من يونيو الجاري، تسارعت وتيرة تقديم الطلبات، وتحولت العملية إلى سباق مع الزمن. وقد عبأت القنصليات المغربية في تاراغونا وجيرونا وأراغون طواقمها لتسليم شواهد حسن السيرة وباقي الوثائق المطلوبة للآلاف من المواطنين المغاربة المعنيين. الهدف المعلن من هذه التسوية هو منح فرصة للحصول على عمل قانوني وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار لنحو نصف مليون مهاجر، بعد أن رفضت المحكمة العليا الإسبانية طلبات بتعليقها تقدم بها حزب فوكس اليميني.

لكن في اللحظة نفسها التي كان فيها البعض يرتب أوراقه للتسوية، كانت آلاف الأقدام تتجه نحو الشمال. فخلال هذا الأسبوع شهدت مدينة سبتة أكبر موجة دخول في التاريخ الحديث، إذ دخل ما يقارب 60 ألف مهاجر قادمين من المغرب، منهم أكثر من 1500 وصلوا سباحة. المشهد بدأ بمقاطع فيديو على إنستغرام يظهر فيها مهاجرون يعبرون السياج، فقرر شبان مثل أيوب الأبيض البالغ من العمر 16 سنة أن “يجربوا حظهم ويتوكلوا على الله”. تقارير تحدثت عن حكم للمحكمة العليا الإسبانية بعدم جواز الإعادة الفورية للمهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر، وانتشرت هذه المعلومة بسرعة فتحولت إلى دافع. إلى ذلك أضف ضغطاً اقتصادياً واضحاً، فربع الشباب المغاربة بين 15 و24 سنة لا يلتحقون بالتعليم أو العمل أو التدريب، وأصوات من مدن مثل القليعة تقول ببساطة “الراتب لا يكفي لإعالة الأهل”. كما أن هدوء البحر في هذا الوقت من السنة جعل السباحة خياراً ممكناً أكثر من أي وقت.

السلطات الإسبانية وصفت ما جرى بأنه انتهاك لسيادة الأراضي الإسبانية، وأعلنت عن تسريع عمليات الإعادة بالتعاون الكامل مع المغرب. وعلى الضفة الأخرى تدفق آلاف إلى الفنيدق رغم التعزيزات الأمنية، بينما عاد مئات إلى المغرب بعد أن لم يجدوا طعاماً أو مأوى في سبتة. الثمن كان باهظاً، فقد ارتفع عدد الضحايا منذ بداية السنة إلى 15 شخصاً على الأقل أثناء محاولات السباحة، لتصبح سبتة المسار الأول نحو إسبانيا بعد التشديد في جزر الكناري.

ولا تقف الصورة عند الحدود الخارجية فقط. فداخل المغرب فرضت فيضانات يناير وفبراير الماضيين نزوح أكثر من 154 ألف شخص من الشمال والشمال الغربي، وظهر ما يمكن تسميته بـ”مهاجري المناخ” الذين فقدوا منازلهم وأراضيهم الزراعية واتجهوا نحو مدن كبرى بحثاً عن بديل. وفي المقابل، أعلنت وزارة الداخلية أن محاولات الهجرة غير الشرعية التي تم إحباطها في 2025 انخفضت بـ 6.4 بالمئة مقارنة بالسنة التي قبلها، مع تفكيك أكثر من 300 شبكة تهريب وإنقاذ 13595 مهاجراً في البحر. وفي الاتجاه المعاكس تماماً، انطلقت عملية “مرحبا 2026” لاستقبال مغاربة العالم، ومن المتوقع أن يعبر 3.5 مليون شخص و800 ألف مركبة هذا الصيف بزيادة 3 بالمئة عن العام الماضي، عبر 26 مركز استقبال وبمشاركة أكثر من 31 ألف إطار أمني وصحي واجتماعي.

هكذا يبدو المشهد اليوم. تسوية قانونية تمنح أملاً لجزء، وموجة عبور تعكس يأس جزء آخر، ونزوح داخلي يضيف عبئاً جديداً. الأرقام تتحدث عن إجراءات وحدود وشبكات، لكن القصة الحقيقية تبقى في قرار شاب يترك بيته لأن البحر يبدو له أقرب من الغد. والسؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس فقط كيف نضبط الحدود، بل كيف نواجه الأسباب التي تدفع إلى البحر: التشغيل، الخدمات، وتأثيرات المناخ التي لم تعد مستقبلاً بعيداً بل واقعاً نعيشه.

تحرير:سعيد بن زينة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Check Also
Close
Back to top button
error: لا يمكن لك النسخ